أخبار السعودية

السعودية تُدهِش العالم بتحفة فنية في الدرعية بعد تجديدها وافتتاحها رسمياً

ما سبب الاهتمام الكبير في مسجد العودة في الدرعية في سياق جهود تطوير المساجد التاريخية بالمملكة؟

السعودية تذهل العالم بأعمالها الفنية في الدرعية بعد إعادة تجديدها وافتتاحها بشكل رسمي

مسجد العودة لا يُعتبر مجرد مكان للصلاة، بل هو رمزية حية لنشأة حي العودة بمحافظة الدرعية، مما يجعله جزءاً من الذاكرة العمرانية المتجذرة في قلب منطقة الرياض، وقد أصبح نموذجًا يُظهِر كيفية دمج الحفاظ على الطابع النجدي الأصيل مع تلبية احتياجات المصلين في العصر الحديث، خاصة بعد تجديده كجزء من مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية.

الموقع والأهمية التاريخية لمسجد العودة

يقع مسجد العودة في حي العودة بمحافظة الدرعية، غرب وادي حنيفة، بقرب الطريق المؤدي إلى سد العُلب. ويعتبر المسجد القلب النابض للحي، حيث لا توجد مساجد أخرى تقام فيها الصلوات الخمس وصلاة الجمعة.

لقد ارتبط تاريخ المسجد بتاريخ الحي منذ نشأته، حيث كان نقطة التقاء لأهالي المنطقة ومركزاً للعبادة والتعليم والتواصل الاجتماعي.

ومع مضي الزمن، أصبح المسجد واحداً من أقدم المعالم التراثية في الدرعية، محتفظًا بقيمته الدينية في وجدان السكان.

الطراز المعماري النجدي في البناء الأول

عند إنشائه، تم بناء المسجد بالطين بأسلوب تقليدي سائد في عمارة نجد، ويتألف من عدة أروقة بعقود مثلثة من الحجر، تستند إلى أعمدة حجرية قوية، مما يعكس طبيعة البيئة المحلية ومواردها.

تميز مدخل المسجد الجنوبي بمئذنة مربعة الشكل، بينما يوجد مدخل آخر من الجهة الشرقية. كان الجدار الشمالي ملاصقاً للمساكن المجاورة، في حين أن الجدار الغربي الصلب، الذي يتوسطه المحراب، يطل على ساحة صغيرة محاطة بمنازل قليلة.

هذا التكوين العمراني يبرز التخطيط التقليدي للأحياء النجدية، حيث تتداخل المساكن مع المسجد في بنية عمرانية متكاملة.

دور المسجد الاجتماعي عبر العقود

على مدى سنوات طويلة، ظل مسجد العودة جامع الحي الذي يُوَقَت فيه صلاة الجمعة، حيث خطب فيه الشيخ عبدالعزيز السياري، ما عزز مكانته كمركز ديني فاعل في حياة السكان.

ولم يكن المسجد مجرد مكان للصلاة، بل كان فضاءً يجمع الأهالي لتبادل الأخبار وتعلم أمور دينهم.

ومع تغير الظروف العمرانية في الحي، حيث هُدمت بعض المساكن الطينية أو أُعيد بناؤها بمواد حديثة، بقي المسجد عامرًا بالمصلين، سواء من القاطنين في المساكن الصالحة أو من عابري الطريق المؤدي إلى حي العُلب ومنطقة السد.

مراحل إعادة البناء والتوسعة الحديثة

بعد أكثر من ثلاثين عاماً على بنائه الأول، تم إعادة تشييد المسجد باستخدام الخرسانة ومواد بناء حديثة. ومع تزايد أعداد المصلين، خاصة في صلاة الجمعة، تمت إضافة توسعة على السطح عبر إنشاء قاعة من الحديد وألواح الصاج المموجة لاستيعاب القادمين من أحياء الدرعية الأخرى.

رغم أن هذه الإضافات حققت هدفها الوظيفي، إلا أنها أثرت في المشهد البصري العام للمسجد ومحيطه، مما تطلب فيما بعد تدخلًا تطويريًا لإعادة التوازن بين الوظيفة المعاصرة والطابع التراثي.

تطوير المسجد ضمن مشروع الأمير محمد بن سلمان

شهد المسجد تحولاً نوعيًا حين تم إدراجه في مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية.

في هذه المرحلة، تم توسيع مساحة المسجد من 794 متر مربع إلى 1,369.82 متر مربع، وزادت طاقته الاستيعابية من 510 مصلين إلى 992 مصلين.

لم يقتصر التطوير على زيادة المساحة، بل شمل استعادة عناصر العمارة النجدية الأصيلة، مع توظيف تقنيات بناء تراعي البيئة المحلية والمناخ الصحراوي الحار، واستخدام مواد طبيعية تتناغم مع الطابع التاريخي للمكان.

خطوات تطوير مسجد العودة ضمن المشروع

استندت عملية التطوير إلى مجموعة من الخطوات المترابطة لضمان الحفاظ على الهوية الأصلية للمسجد، ويمكن تلخيصها كالتالي:

  • أولاً: توثيق الحالة المعمارية الأصلية
    • تمت دراسة العناصر التاريخية للمسجد ورصد تفاصيله التقليدية لضمان الحفاظ عليها أثناء التطوير.
  • ثانيًا: إعادة تأهيل الهيكل وفقًا للمعايير الحديثة
    • تم تعزيز البنية الإنشائية بما يضمن السلامة والمتانة، دون الإخلال بالشكل التراثي.
  • ثالثًا: استعادة الطابع النجدي
    • أُعيد توظيف تقنيات البناء بالطين والمواد الطبيعية لتعكس الهوية المعمارية النجدية.
  • رابعًا: زيادة الطاقة الاستيعابية
    • تمت إعادة توزيع المساحات الداخلية لتوفير بيئة مريحة للمصلين، مع مراعاة تدفق الحركة وسهولة الوصول.
  • خامسًا: إشراك شركات وطنية متخصصة
    • تولت شركات سعودية ذات خبرة في المباني التراثية تنفيذ أعمال التطوير، مع إشراك مهندسين سعوديين لضمان الالتزام بالهوية العمرانية الأصيلة.

أهداف مشروع تطوير المساجد التاريخية

ينطلق مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية من أربعة أهداف استراتيجية رئيسية:

  • تأهيل المساجد التاريخية للعبادة والصلاة وفق معايير حديثة تضمن الراحة والسلامة.
  • استعادة الأصالة العمرانية وإحياء عناصر العمارة التقليدية.
  • إبراز البعد الحضاري للمملكة العربية السعودية من خلال العناية بمعالمها التاريخية.
  • تعزيز المكانة الدينية والثقافية للمساجد التاريخية في المجتمع.

يعكس هذا المشروع التوجه الوطني للحفاظ على التراث العمراني، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تركز على إبراز الهوية الثقافية واستغلالها في تطوير الحاضر.

مسجد العودة نموذج للتوازن بين الماضي والحاضر

يمثل مسجد العودة في محافظة الدرعية مثالاً حيًا على إمكانية الجمع بين الحفاظ على التراث وتلبية متطلبات العصر. بعد أن كان مسجدًا طينيًا بسيطًا يخدم سكان حي صغير، أصبح اليوم معلمًا تاريخيًا مُطوَّرا يستوعب أعدادًا أكبر من المصلين، دون أن يفقد روحه المعمارية النجدية.

وهكذا يبقى المسجد شاهدًا على تاريخ المكان ورمزًا لاستمرار العناية بالمساجد التاريخية في المملكة، بوصفها جزءًا أصيلاً من الهوية الدينية والحضارية.

قد يهمك

زر الذهاب إلى الأعلى