السعودية تُعلن الاكتفاء الذاتي من محصول استراتيجي وتبدأ تصديره عالمياً بأرقام ضخمة

في شمال السعودية، وتحديدًا في منطقة حائل، تجسد قصة مدهشة عن الزراعة في بيئة صحراوية قاسية. بين الكثبان الرملية والجبال، ومع صيف معتدل وشتاء قاسٍ، أصبحت الأرض ليست مجرد مساحة جافة، بل تحولت إلى مركز لمحصول استراتيجي أصبح جزءًا من سلاسل الإمداد العالمية.
السعودية تعلن الاكتفاء الذاتي من محصول استراتيجي وتبدأ تصديره للعالم بمبالغ مهولة
لم يكن التحدي متعلقًا بالزراعة فقط، بل كان أيضًا يتعلق بكيفية تحويل محدودية المياه والطاقة إلى فرصة تنموية مستدامة تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني وتفتح أبواب التصدير.
هذه القصة تتعلق بزراعة البطاطس، التي أصبحت اليوم نموذجًا سعودياً ناجحًا يجمع بين الزراعة والصناعة، مما يربط بين الموارد المحدودة والتقنيات الحديثة، ويضع المملكة على خريطة الدول المصدرة للبطاطس والمنتجات المصنعة منها.
لماذا حائل؟
تتميز حائل بعدد من العوامل الطبيعية التي جعلتها مكانًا ملائمًا لزراعة البطاطس، رغم البيئة الصحراوية.
التربة الرملية المناسبة تتيح للدرنات النمو بشكل جيد، مما يقلل من تشوهات المحصول.
أيضًا، المناخ الذي يجمع بين الاعتدال صيفًا والبرودة شتاءً يساعد في إنتاج محصول يلبي متطلبات المصانع والأسواق.
لكن هذه المزايا وحدها لم تكن كافية، حيث كان عامل المياه هو أكبر تحدٍ يواجه المزارعين، مما دفعهم للبحث عن حلول مبتكرة.
أزمة المياه كدافع للابتكار
المياه الجوفية في المملكة مورد محدود، والاعتماد الكبير عليها في الزراعة شكل واقعًا صعبًا.
في حائل، أدرك المزارعون أن استمرار استخدام الطرق التقليدية في الري لم يعد خيارًا متاحًا، خصوصًا مع توجيه الدولة لترشيد الاستهلاك المائي.
من هنا، بدأت مرحلة التحول نحو أنظمة ري أكثر دقة، تركز على إيصال المياه مباشرةً إلى جذور النباتات بدون هدر، مما شكل نقطة تحول كبيرة في زراعة البطاطس.
نموذج الري الحديث
تستخدم مزارع البطاطس في حائل تقنية الري بالتنقيط كحل أساسي، مدعومة بالطاقة الشمسية لتشغيل الأنظمة والمضخات. وقد حصل هذا النموذج على نتائج متعددة، منها:
- تقليل استهلاك المياه مقارنةً بالري التقليدي.
- زيادة إنتاجية الهكتار الواحد بشكل ملحوظ.
- خفض تكاليف الطاقة وتقليل الاعتماد على الديزل.
- تحسين جودة المحصول بما يتوافق مع متطلبات التصنيع والتصدير.
تم تطوير هذا النموذج من خلال تعاون بين الجهات الحكومية والمزارعين وشركات كبرى، ليصبح النموذج المعتمد لمحصول البطاطس الخاص بالتوريد الغذائي.
من الحقول إلى المصانع العالمية
لم تقتصر رحلة البطاطس السعودية على الزراعة، بل شملت أيضًا المصانع حيث أصبحت المادة الأساسية لإنتاج رقائق البطاطس ومنتجات غذائية أخرى.
هذا التكامل أسهم في خلق سلسلة قيمة متكاملة داخل المملكة، مما قلل من الاستيراد وزاد من نسبة المكون المحلي.
شركات عالمية تعتمد بشكل رئيسي على البطاطس المزروعة محليًا، بعد أن أثبتت جودتها ومطابقتها للمعايير الغذائية.
أرقام تعكس حجم التحول
شهد إنتاج البطاطس في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة، حيث ارتفعت نسبة الاكتفاء الذاتي إلى مستويات متقدمة.
هذا النمو جاء نتيجة مباشرة لتبني تقنيات الري الحديثة وتحسين إدارة الموارد، والتي أسهمت أيضًا في فتح أسواق تصديرية جديدة.
التحديات المستمرة
ورغم النجاح، لا تزال التحديات موجودة، ومن أبرزها:
- شح المياه الجوفية وارتفاع تكلفة استخراجها.
- الحاجة إلى بروتوكولات تجارية مع بعض الدول لتسهيل التصدير.
- الاعتماد الجزئي على الوقود التقليدي في بعض العمليات الزراعية.
تلك التحديات دفعت المزارعين إلى التوسع في استخدام الطاقة الشمسية والاستثمار في مشاريع طويلة الأمد لزيادة كفاءة الموارد وتقليل الأثر البيئي.
دور الطاقة الشمسية في دعم الاستدامة
توجه المملكة نحو الطاقة الشمسية لم يكن خيارًا بيئيًا فحسب، بل اقتصاديًا أيضًا، حيث ساهم استخدام الطاقة الشمسية في أنظمة الري والمعدات الزراعية في خفض التكاليف وزيادة إنتاجية المحاصيل.
البحث والتطوير وبناء القدرات
بالتوازي مع التطور الزراعي، تم الاستثمار في البحث والتطوير لتوطين المعرفة داخل المملكة.
تم إنشاء مراكز متخصصة لدراسة تحسين المحاصيل وكفاءة الإنتاج وتدريب الكوادر الوطنية لرفع نسب التوطين في المصانع.
الزراعة ضمن رؤية شاملة
تجربة البطاطس في حائل تعكس تحولًا أوسع في النظرة إلى الزراعة داخل المملكة، حيث أصبحت الزراعة قطاعاً استراتيجياً قائمًا على الابتكار والكفاءة.
هذا النموذج يعزز من الأمن الغذائي ويدعم الاقتصاد ويخلق فرص استثمارية، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة المستقبلية.
لم تعد البطاطس المزروعة في صحاري حائل مجرد محصول زراعي، بل أصبحت تجسيدًا للنجاحات الوطنية تؤكد أن التحديات البيئية يمكن أن تكون بداية لحلول مبتكرة.
من خلال هذا النموذج، تقدم المملكة مثالًا عمليًا على تحويل الصحراء إلى فرصة، والزراعة إلى ركيزة اقتصادية قادرة على المنافسة عالميًا.



